الحصة الأولى لمدرسة الملحون
سياتـــل السجيـــة

استـهــلال:
لقد اختلف الباحثون في فن السجية ـ وهم فئة قليلة ـ حول الأقسام التي تنقسم لها القصيدة من حيث البناء أو ما يسمى (لمرمات) التي تنوعت وتطورت نتيجة تطور هذا الفن عبر العصور رغبة في التجديد والتحرر من بعض القيود، حيث ذهب الأستاذ محمد الفاسي رحمه الله، إلى اعتبار هذه (المرمات) خمسة حددها كالتالي: "لمبيت/ مكسور الجناح/ لمشتب/ السوسي/ والذكر"، أما الدكتور عباس الجراري فقد قلص العدد إلى أربعة أنواع حصرها في: "لمبيت/ مكسور لجناح/ لمشتب/ والسوسي".
وسنكون في هذه الورقة المتواضعة أقرب في تصورنا إلى رأي الباحث الأديب الحاج أحمد سهوم، والمرحوم الأستاذ عبد الله الشليح اللذين اعتبرا أن "امرمات" السجية لا تتعدى ثلاث (امرمات) حددوها في: "لمبيت/ مكسور لجناح/ والسوسي"، فأخرجا بذلك (امرمت) "لمشتب" حيث يمكن إدراجها في (امرمت) "السوسي" لتشابههما في الشكل والبناء، وأبعدا (امرمت) "الذكر" لتعلقها بموضوعات الملحون وليس بشكله، ذلك أن "الذكر" قصائد تتصل بذكر الله تعالى وتعداد الذنوب والركون إلى التوبة وطلب المغفرة... إلى غير ذلك مما يتردد في الشعر الصوفي وينشد داخل الزوايا. وسنتحدث من خلال هذه الحصة الأولى فقط عن (لمرمة) الأولى وهي "لمبيت" بكل أقسامه وأشكاله، وسننطلق من البدايات الأولى وهي (امرمت) "لمبيت المثني"، على أن نستعرض باقي (لمرمات) في حصص لاحقة بحول الله تعالى.
أولا: (امرمت) "المبيت":
ويعتبر "المبيت" أول شكل ظهرت به السجية، خاصة "المبيت المثني" الذي يعني الشعر الذي تكون الوحدة فيه عبارة عن أبيات يصطلح على تسمية شطريها ب (لفراش) وهو (صدر البيت) في الفصيح، و(لغطا)، وهو (عجز) البيت، إلا أن "لمبيت" في السجية، لم يتوقف عند حدود (المرمة الثنائية)، بل تفنن شعراء السجية في ابتكار أنواع أخرى من "لمبيتات" يتم تصنيفها حسب عدد أشطار البيت الواحد المكون للقصيدة، وهكذا نجد (لمرمة الثلاثية والرباعية أو المربوع، والخماسية أو لخماسي أو خامس لشطار).
وتجدر الإشارة إلى أن هذه (لمرمات) فقد استحدثت من طرف مبدعين كبار ظهروا عبر تاريخ الموهوب الطويل أمثال الشيوخ: "عبد العزيز المغراوي، ومحمد المصمودي، والشيخ عبد الجليل بن عبد الله المعروف بالجيلالي امتيرد".
وقد ابتكار (امرمات) جديدة لأسباب ليس هذا وقت الخوض فيها، أما بالنسبة ل(لقياسات)، فلازالت تظهر بين الحين والآخر من طرف شعراء مبدعين أكفاء، ولا مانع في ذلك إلا عند الذين يرفضون التطور والتجديد والإبداع في الشكل والمضمون، وذاك شيء ما أنزل الله به من سلطان.
1/ (امرمت)"المبيت المَثْنِي":
وهي أول (امرمة) ظهرت لدى شيوخ السجية، مصاحبة لأول قصيدة نقلها لنا الباحثون وهي قصيدة "الحربى" للشيخ ابن عبود، ويقول في مطلعها:
مَالْ الخِيلْ حِينْ عْتَرْكتْ فْلمْدَانْ * حَافَــتْ هَاذِي لدِيكْ وُدِيكْ لهَادِي
وكان من أوائل الشيوخ السباقين للنظم في هذه (المرمة)، الشيخ حماد الحمري رحمه الله، كما تجدر الإشارة إلى أن هذه (المرمة المثنية) لها (قياسات) عديدة من الصعوبة بمكان أن نحيط بها جميعا في هذه الورقات ولو أن ذلك ليس مستحيلا، لذلك سنحاول بعون الله دراسة أكبر عدد من القياسات مستعينين في ذلك بنظام الحركات.
أ/ (امرمت) "لمبيت المثني" (قياس المشرقي):
وهي (امرمة) بسيطة جدا يطلق عليها شيوخ السجية (لحويط لقصير)، لاشتباهها ببحر الرجز في الشعر العربي الفصيح، والذي يطلق عليه أيضا (حمار الشعراء) لسهولة النظم فيه، وسبب تسمية هذا (لقياس) ب"المشركي" فيه آراء مختلفة لعل أصحها أنه متأثر بأنغام جاءت من المشرق العربي مع القبائل التي استوطنت المغرب في فترة من الفترات، وحركات هذا (القياس) لا تتجاوز ست حركات في "لفراش"، وست في "العجز"، ومن الأمثلة عليه، قول الشيخ سيدي عبد القادر العلمي المعروف ب سيدي قدور في قصيدته "الدار":
وَاشْ مَا عَارْ عْلِيكمْ أ رْجَالْ مَكنَاسْ * مْشَـاتْ دَارِي فَحْمَاكـُمْ أ هْـلْ لكرَايَمْ
أو كما قال الشيخ الجيلالي امتيرد في قصيدته "فاطمة"
فَاطمَة شَرْعْ الله مْعَاكْ بِينْ لرْيَامْ * وَاشْ لحْـبِـيـبْ إيــدُوزْأ لالة حْـبِيـبُه
حيث نلاحظ أن كل شطر من أشطار هذه الأبيات يتكون من ست حركات دون زيادة ولا نقصان.
وإذا نحن طبقنا قاعدة الكتابة عند شيوخ الملحون، والتي تقول:"كـْتَابْتْ المَلحُونْ كـْتَابْتْ بْنِي حَلـُّوفْ لَا ثَابَتْ لَا مَحْذُوفْ"، فإننا نكتب البيتين كما ينطقان، مع حذف كل الحروف الزائدة التي لا تنطق، وذاك هو الرسم الذي نجده في كنانيش الملحون ومخطوطاته، وهكذا سنحصل على الرسم التالي للبيتين السابقين:
وَشْ مَعَرْ عْلِكـُمْ أ رْجَلْ مَكـْنَسْ + مْشَتْ دَرِ فَحْمَكـُمْ أ هْلْ لكـْرَيَمْ
أما البيت الثاني فنحصل من خلال كتابته على الشكل التالي:
فَطـْمَ شَرْعْ لـَّهْ مْعَـكْ بِنْ لـَرْيَمْ + وَشْ لـَحْـبِـــبْ إِدُزْ أ لـَلَّ حْــبِـــبُ
وحتى نخلق قاعدة للأجيال القادمة، وألا يقع تضارب في حساب الحركات، وتمشيا مع قاعدة موروثة في فن السجية "مَنْ لَا يُوزَنْ بَسْرَارْبْ كلَامُو يَبْقَى عَايَبْ"، فإنه يجب الاستعانة دوما بميزان (الكباحي) لأنه كان الإيقاع الوحيد المعتمد أثناء إنشاد "السرابة"، والوسيلة الآمنة لحساب الحركات قصد معرفة (قياس) القصيدة.
ثانيا: فقرة شيخ وقصيدة:
لقد اعتمدنا نشر قصيدة في كل حصة من حصص هذه الدراسات، تكون في نفس (المرمة) و(القياس) المتحدث عنهما، والحديث عن الشيخ الذي نظمها، وذلك وفاء منا لنشر ثقافة (السجية) نصوصا وشيوخا وأوزانا، وقد اخترنا اليوم جزء من قصيدة "لام مرشوق"، وهي من عيون القصائد، للشيخ الفقيه العلامة السي التهامي لمدغري، وهو شيخ عاش أيام السلطان مولاي عبد الرحمن، وكان من أصدقاء ولده الأمير سيدي محمد وصديقه الذي لا يفارقه ورفيقه في الدراسة بالقرويين، وكان نقاد فن "السجية" يرون أنه من كبار شعراء الملحون عبر كل العصور، وفاته وتاريخها فيهما خلاف، ولكن الغالب والذي نطمئن إليه، أنه أحرق بمراكش ونقل إلى فاس حيث توفي ودفن هناك، وذلك سنة 1273 كما هو منقوش على قبره.
كان يكتب كثيرا في العشاقي، حتى شبهه الأستاذ محمد النميلة بنزار قباني عصره، وكانت غالبية قصائده على حرف "الحاء"، لأنه يعتبر هذا الحرف مختصرا للعواطف الإنسانية، حيث إذا تلذذ المرء نطق حرف "الحاء"، وإذا تألم نطق نفس الحرف، من أجمل وأرقى وأحلى قصائده في هذا الغرض، قصيدة "لام مرشوق"، التي كتبها في (امرمت) "المبيت المثني/ المشركي"، التي شبه فيها عناق المحبوب باللام المرشوق مشيرا إلى رسمها في القرآن الكريم، ويقول في حربة القصيدة:
لَا يْعِيـدْ افـْـرَاقْ المَعْشُـوقْ يَا العُـشَّـاقْ * بَعْــدْ مَا عَـنَّـقْــنِـي تَعْــنَاقْ لَامْ مَرْشُــوقْ
وفي القسم الأول يقول الشيخ:
لَاشْ تَبْكـِـي يَا مَنْ لاّ ذَاقْ نَارْ الفـْـرَاقْ * لَاشْ تَضْحَكْ يَا مَنْ هُو بَالفْرَاقْ مَحْرُوقْ
لَاشْ تَشْكِي يَا مَنْ لَا جَرّْحُــوهْ لَـرْمَاقْ * لَاشْ تَصْبَرْ يَا مَنْ هُو بَالـْشْـفَـارْ مَرْشُوقْ
لَاشْ نَسْهَى يَا مَنْ لَا عَـذّبُوهْ لـشْـوَاقْ * لَاشْ تَنْعَــسْ يَا مَنْ قـَلبُه مْلَازَمْ الشُّــوقْ
لَاشْ تَفـْنَى يَا مَنْ لَا فَارْقـُـوهْ لـَـرْفـَاقْ * لَاشْ تَحْــيَا يَا مَــنْ لَا فَاكـْـدُو المَعـْشُــوقْ
لَاشْ تَـفـْرَحْ يَا مَنْهُ فَالحْـبَابْ مَشْـتَاقْ * كِيـفْ رَانِـي مَشْتَاقْ لـِّي هْــوِيتْ مَفْـرُوقْ
نتوقف اللحظة عند هذا الحد، لفسح المجال أما أقلامكم لكي تدون أفكاركم وتعليقاتكم وردودكم ومناقشاتكم حول الموضوع، وحتى إن كانت هناك تساؤلات حول بعض القضايا المطروحة في هذا المجال، آملين ألا تبخلو عنا بتوقيعاتكم رغبة في إحياء هذا الفن ونشره مرة أخرى داخل المجتمع كبديل للميوعة التي تطالعنا صباح مساء على القنوات الإعلامية المسموعة والمرئية، على أن نلتقي مع الحصة الثانية من هذا الموضوع بعد خمسة عشر يوما من الآن بحول الله.
كل عام وأنتم بألف خير