الشيخ الجيلالي امتيرد
شاعر من مراكش، اكتسب شهرة كبيرة بين رجالات الملحون الذين يعتبرونه "فاكية د الشياخ"، وقصائده تسمى "الشعالة"، هو من شعراء الطبقة الأولى إضافة إلى كونه محطة من محطات التجديد الأساسية في هذا المضمار. له ديوان شعر مشهور، وقد عملت أكاديمية المملكة على طبعه وإخراجه للتداول، لكن المؤسف هو أن غالبية قصائده إن لم أقل كلها جاء كلامها محرفا، أو حسب اصطلاح أهل الملحون، وردت القصائد "امْهَرّْسَة"، ولا أدري الأسباب الكامنة وراء هذه القضية، رغم أننا نجد على رأس الأكاديمية رجل محنك، وتضم بين أعضائها عددا كبيرا من الملمين بهذا الفن، كما أن الإمكانيات المادية المتوفرة لهذه المؤسسة، تجعل المنتسبين لها يشتغلون في راحة تامة وبأريحية كبيرة، وبمقدورهم أن يخرجوا مثل هذا العمل الوطني في شكل مشرق أخاذ، لكن المؤسف هو أن شيئا من ذلك لم يحدث، وصدمنا في أفق انتظاراتنا، ذلك أن الذي كنا نبغيه، هو أن تعمل هذه المؤسسة على تطوير ما بدأه الأستاذ الباحث القدير المرحوم الأستاذ محمد الفاسي، وذلك بالاهتمام بعروض الملحون، واقياساته، وأن يتم تسجيل ذلك على مستوى بداية كل قصيدة، إضافة إلى تنقيح القصائد، والتأكد من نسبتها لأصحابها، ووضع منهج موضوعي مضبوط من أجل معالجة النصوص تمهيدا لبرمجتها داخل المؤسسات التعليمية اعتبارا من كون الملحون ديوان المغاربة بامتياز، لكن الذي حدث، هو إخراج إصدارات هي عبارة عن مؤامرة على فن الملحون وأهله، وكل الذين يشتغلون في المجال بما فيهم أعضاء الأكاديمية يعرفون ذلك، ولكنهم يمارسون مؤامرة الصمت، وهي أكبر من المؤامرة الأولى، اعتبارا من أن الساكت عن الحق شيطان أخرس، لهذا سأمارس من خلال هذه الورقة أضعف الإيمان، ساعيا لتكسير جدار الصمت هذا، منوها بالهفوات والأخطاء الفادحة التي تطال ما يسمى بالدواوين الصادرة عن أكاديمية المملكة، في انتظار أن يخرج الآخرون عن حديث السر، ليقولوا كلمة حق بصوت مرتفع، وإلا سيسجل التاريخ عليهم تواجدهم في لحظة يساء فيها لهذا الفن دون أن يحركوا ساكنا، وأقدم اليوم نموذجا عن "التهراس" الذي تقوم به الأكاديمية، وذلك من خلال "قصيدة الضيف" للشيخ الجيلالي امتيرد، على أن أكتب ورقات بين الفينة والأخرى حول قصائد أخرى إما لنفس الشاعر، أو من ديوان شاعر آخر من الذين جمعت لهم الأكاديمية قصائدهم.
وبداية لابد من الإشارة إلى أن القصيدة عبارة عن "ترجمة"، أو "قصة"، من "امْرَمَّتْ لَمْبَيَّتْ لَمْثَنِّي"، وهذه المرمة من المرمات التي ابتكرها الشيخ الجيلالي امتيرد، حيث نجد فيها "لَفْرَاشْ" أي صدر البيت كما في يسمى في الشعر الفصيح، أطول من "لَغْطَا"، وهو العجز كما هو معروف في الشعر العربي، وتبدو هذه المرمة أشد وضوحا في قصيدته "الساقي"، والتي تقول حربتها: "أ الساقي وكض لريام رد بالك للنوبة لا اتغيب عن مولاها + كب واسق ما زال الليل"، والقصة في قصيدة "الضيف"، تتحدث في بدايتها عن حالة هدوء طبيعية كان يعيشها الشاعر، حيث يغلق أبواب بيته كل ليلة، ويطفئ الأضواء قبل توجهه للنوم، لكنه اليوم يعيش حدثا استثنائيا، ذلك أنه سمع على غير العادة طرقا على الباب، والزيارة في مثل هذا الوقت غير مألوفة، بل وتكون باعثا على الخوف والقلق، الشيء الذي جعل الشاعر يحمل سلاحه ويخرج لفتح الباب متسلحا أيضا بذكر اسم الله في كل خطوة، وبمجرد ما فتح الباب، يجد أمامه شخصا يطلب منه أن يضيفه تلك الليلة، ثم دخل بدون أن يطيل كلام.
عند ذلك لم يجد الشاعر بدا من إكرام ضيف الله على عادة الكرماء، فأعاد إشعال الضوء وهو يشك في أمر هذا الضيف، ثم أخذ يسأله وهو لا يجيب، وظهر له أن هذا الضيف قد يكون خليلته، مما جعله يقرب النور لكي يرى صورته، لكن الضيف غضب وقطب بين حاجبيه، فخجل الشاعر حيث ليس إغضاب الضيف من سلوك الضيافة الكريمة، بل هو سلوك مشين، وجلس إلى جانبه وبدأ يحادثه لكي ينبسط، وطلب منه أن يظهر له شخصيته الحقيقية، عندها ادعى الضيف أنه فقيه أي "طَالْبْ" منقطع للعلم يبحث عمن يزوده به، لكن الشاعر شك في هذه الرواية، وبقي يلاطفه ويحادثه حتى أزال لثامه، فظهرت له خليلته كما اعتقد منذ البداية، وأخبرته بأنها اشتاقت لجلساته وكلامه، ولم تجد إلا هذا الوقت من أجل زيارته والتملي بطلعته، وفرحوا ببعضهما، وقضيا ليلة بيضاء دون نوم. هذا هو مضمون النص بتركيز كبير، وهو أيضا من المواضيع التي ابتكرها الشيخ الجيلالي امتيرد، ولم يكن مسبوقا إليها حسب ما وصلنا من نصوص الملحون، فما هي مواطن الخلل في النص كما ورد في ما أصدرته الأكاديمية؟
ورد النص في الصفحة 233 من الديوان الذي أصدرته الأكاديمية، والذي تضمن 71 قصيدة صحت نسبتها للشاعر، و8 قصائد اعتبرت منسوبة له، وهذه القصائد لم تخل من تحريف وتغيير في الكلمات، الشيء الذي يقتضي العمل على مراجعة النصوص، وتحقيقها قبل نشرها، وكمثال على ما أشرت إليه، قصيدة "الضيف" التي سأمثل لبعض الأخطاء التي وردت فيها قبل نشرها كاملة ومنقحة، فقد وردت الحربة في ديوان الأكاديمية كالتالي:
أضيف الله رد الجواب اصغالي ......................
في حين أن الصواب هو:
أَ ضِيفْ الله رَدّْ اجْوَابْ اسْئَآلِي ........
ثم في القسم الأول:
في البيت الأول في "لغطا" ورد "ياسر" والصواب هو "يَامَسْ"، وفي البيت الثاني، نجد كلمة "ارصايدي"، والصواب هو "وُصَايْدِي"، ثم كلمة "امساهر"، وتصويبها "انْصَارَعْ"، البيت الثالث، "بين امنام وافياق"، والصواب "بين افياق وامنام"، البيت الخامس، نجد كلمة "من إيجي يسال"، والصواب هو "أ من جا يسال"، ثم كلمة "ليالي" والصواب "لْيَالْ"، البيت الثامن، تقول نسخة الأكاديمية: "سولتْ من اتكون زاد في تنخالي" والصواب "سَوَّلْتُه من اتكون زاد فْتَنْخَالِي".
القسم الثاني:
أولا لكراسا: الشطرة الثانية من السطر الأول، تقول نسخة الأكاديمية، "اطلقت افراش"، والتصويب "اسبلت افراش"، الشطرة الثالثة من نفس السطر، "نزهاوا بطيب لحديث"، والصواب "لَمْطَايَبْ طِيبْ الحْدِيثْ".
بقية أبيات القسم: "درت الشمعة اقبالتي ..."، التصويب "درت الشمعة اقْبَالْتُه"، البيت الثاني "انحدق"، التصويب "انْحَقَّقْ"، البيت الخامس، "هذا زيزون..."، الصواب "هَذَا زَنْزُونْ"، ثم البيت السادس، "واش أوعدي"، التصويب "قلت أَ عَجْبِي"، وعلى مستوى البيتين السابع والثامن، لابد إعادة ترتيبهما عوض ما ورد في نسخة الأكاديمية حيث جاءا كالتالي:
يا سبةْ ليعتي واهوالي وانكالي + يا تارك مهجتي اسقام
لعن الشيطان قلت يا نور اهلالي + وما في الغيب من احكام
والتصويب هو التالي:
لعن الشيطان قلت يا نور اهلالي + يا تارك مهجتي اسقام
يا سبتْ ليعتي وُهَوْلِي واهوالي + وما فالغيب من احكامْ
القسم الثالث: البيت الأخير من الكراسا، يجب إعادة ترتيبه وتصويبه، فقد ورد في نسخة الأكاديمية على الشكل التالي:
وشفا يا ضيفنا اشفا + واكشف تنكيرة الخفا + وكرم بمكارم العطوف
والصواب هو:
لَوَّحْ تَنْكِيرْتْ الجّْفَا + واشْفَا يا ضِيفْ وُنَشْفَا + واعْطَفْ بَمْكَارْمْ العْطُوفْ
وحتى لا أطيل في هذا الصد، أشير إلى أن كل أقسام القصيدة "امْهَرّْسَة"، وفي حاجة إلى تصويبات كثيرة، وإعادة ترتيب، حتى لا تتعتم الدلالة، ويضيع القصد من النص، كما أتمنى على السادة "لَشْيَاخْ المُنشدين" ألا يحفظوا على نسخ الأكاديمية، بل لابد من الرجوع إلى لشياخ الحفاظة، والنسخ الأصلية من أجل تصحيح النصوص وتدقيقها، وسأورد الآن قصيدة الضيف كاملة بعد تنقيحها، متمنيا أن يكون هناك نقاش جاد ومثمر حول مسألة تحقيق النصوص، مما يكسر لعنة الصمت التي أصابتنا نتيجة الصدمة التي أصبنا بها لهول مصاب الملحون من إصدارات الأكاديمية.
قصيدة: :الضيف"
نظم: الشيخ الجيلالي امتيرد
امرمت لمبيت لمثني
الحربة:
أَ ضِيفْ الله رَدّْ اجْوَابْ اسْئَالِي + لَا تَحْشَمْ رَدّْ السّْلامْ
القسم الأول:
سالوني يا أهل الهوى كيف اجرى لي + يامس فالداج يا اكرام
بلَّجْتْ أوصايدي وسَدِّتْ اقفالي + واضحيت انصارع المنام
بين افياق وانعاس والضو اطفى لي + نسمع من دق فالرسام
لحت اغطايا ونضت مبهوض انلالي + حطيت يدي على الحسام
قلت أمن جا إيسال فالثلث التالي + والليل اليال والظلام
سميت وزدت باسم الحي العالي + سلمنا قلت يا اسلام
افتحت الباب ما افقهت أش اقبالي + ضيف الله قال لي اقوام
سوَّلتُه من اتكون زاد فْتَنْخالي + وادخل مطرود كَ اسهام
القسم الثاني:
فالحين اشعلت اشمعتي + واسبلت افراش قبتي + لمْطَايب طيبْ لحديثْ
قلتْ بشوقي وليعتي + اجلس يا روح راحتي + نزْهاوا بكل ما انويتْ
سبعين اسْنَا فْليلتي + قرب نسطاب فرجتي + ردّْ اجوابي إلى ادويتْ
درت الشمعة اقبالتُه دون اشمالي + وانحقق فيه بالنيام
انحقق ذاك الحبيب واتبدل حالي + زاد الشملة على اللثام
واعقد عبسة اتدوب منها الجبالي + وارجع لي من أولاد حام
كوري مغلوق أو شلح فْ تَمثالي + ولاَّ عجمي من العجام
هــذا زَنْـــزُونْ قلت ولا بوهالي + ولا سكــــران بالمـــدام
قلت أعجبي الضيف يغضب فامْحَالِي + بلا سبة بلا اخصام
لعن الشيطان قلت يا نور اهلالي + يا تارك مهجتي اسقام
يا سبتْ ليعتي وُهَوْلِي واهوالي + وما فالغيب من احكام
القسم الثالث:
أ سيدي قلت لُه اكفى + ترك التيهان والجفا + الجواد بجودها اتجود
ديك الشوفة العاصفة + قسمت قلبي امناصفَة + حر من امضاوتْ السيوف
لوَّحْ تنكيرْتْ الجّْفَا + واشفى يا ضيفْ ونشفى + واعطف بمكارم العطوف
أنت في مرسمي وزايد تنخالي + آشْ جابك لي بلا اغرام
أُ لضيافْ كلها بالجواب اتشالي + وأنت لا صوت لا اكلامْ
انْصَرْمَتْ اعزايمي وُفَضِّيتْ احيالي + وُعَقْلي فالُوهَامْ هَامْ
وادوا من بعد ما استفسر فاقوالي + لبْصوتْ اسمعتُه بْلا انغامْ
كصوتْ اخْنِيسْ في ادواخل لدخالي + من ضيق الثوب واللتام
طالب مفروق قال عن جمع امثالي + برَّاني ساكن الخيام
وانفتش فالعلوم مَدُّوب اهلالي + حافظ لسوار بالتمام
هاني في ذا البلاد مقطوع الوالي + لا بو لا خو لا اعمام
القسم الرابع:
طالب مفروق بلدنا + اطلبتك ضيف ربنا + نلقاو الصرف بالحسان
ارمانا ليك وعدنا + ارفع بينا وعَزّْنَا + لا حكم الخارج لوطان
الطلبة معدن الغنى + انكتبوا لك سر حرزنا + تجليب الرزق للمكان
الطالب قلت ليه ما كايخفى لي + محتوم إيذكر المقام
وأنت كصيد فوق لفضا ضيالي + لمسافر ما ارجى امقام
نغزل غزل الهوى على حسن امقالي + وُعقلي فالهوى امرام
قلت أش اللي يفيد في صح اعمالي + نبرمت بخفتْ العظام
وجَّدْتْ فَّاكْهي وطبخي واشغالي + وارفدت الطاس كاغلام
مد إيديك قلت ليه يا الشاطن بالي + واستأْدَبْ زِدْ للطعام
مانا فاطعام قال لي شُفْ اخيالي + فالعشبة ما أوفيت عام
مَنْ مَايْ العينْ قلت لُه طيب احلى لي + والضامن فيه بو اعلام
القسم الخامس:
يغضب لمليح ويرضى + وأنتَ يا راحتْ العضا + مالك من جانبي امريض
هزيتُه هزَّتْ الكضا + من حر الشوق واللضا + حزْتُه ليَّا بكل هيض
حتى سخنا على الفضا + صيَّحْ مقياسْ الحْضا + وانكشَفْ الحجاب الغليض
نجبر تاج البدور عراض الفالي + ولفي سلطانت الريام
واظهر ذاك الجبين كبدر إيلالي + والخدادة مع لوشام
أنت هو الضيف ما شفَّكْ حالي + لكذوب فديننا احرام
قالت لي سالني انفيدك باسآلي + من بعد سَتْوِيتْ للمنام
حير عقلي اهواك يا عز ارجالي + واخرجت انهيل بالقدام
واخفيت على اعيون العدا عذالي + لحضرتك شادَّة احزام
هات الصفرة وزيد غدَّرْ قمصالي + قلت لها ما ابقى امنام
ليلة في ليلها المنعوم اليالي + لا ريح إيهبّْ لا اغيامْ
القسم السادس:
خذ أ حفاظ وارتوى + ضيف من ضياف الهوى + زهوة وزهو لمن زهاو
مسطور ولا يلو انوى + ببديع محاسنُه ضوى + برضاهْ أهل الرضى رضاو
واللي بجهالتُه ادْوَى + معلول ولا إيلُه ادوى + مطموس انواجلُه عْماوْ
قال افصيح اللغا الحبر الجيلالي + عُوَّاصْ اجواهر النظام
زوَّاقْ ارقايقي وطرَّازْ اشغالي + واشجيع الحرب فاللطام
قولوا للناكر العديم السفالي + يتأدَّبْ عَرّْتْ الغشام
شيخ ابلا شيخ لَوْ اعمر جبحُه خَالِي + ما إيلُه مبدا وُلا اتمام
هذا بحر اغميق واطميمُه مالي + يرهب بافراتنُه اقوام
غنَّى نَحْلِي واطعمْ بالشهد امصالي + والسعد على الرضى اسقام
واعمر سوقي وباعْ واشْرى دلالي + سوق ألا فَرْغْ منْ ازْحَامْ
طهجْ ارياضي القَحْ واضميري سالي + واعبق بقلايْدْ النسام
واسلامي للشياخ بمْسَكْ واغوالي + ما فاح الورد بالنسام
وعلى الودبَة العايقين ابتفصالي + ما دام الحال بالدوام