الملحون وإشكال التسمية
الكاتب: أسعد البازي

هناك اراء متعددة تتضارب فيما بينها تحاول تحديد المعنى اللغوي لكلمة –الملحون- فالاستاذ محمد الفاسي يذهب إلى أن الملحون مشتق من التلحين بمعنى التنغيم لا من اللحن أي الخطأ في القواعد الإعرابية ، وذلك أن اللغة التي يستعملها شعراء الملحون هي لغة غير إعرابية ولها قواعدها واساليبها ولا يعقل ان يخطئ فيها المتكلم بها أو الناظم لها ثم يطلق هذا الخطأ على إنتاجه الشعري،وإنما جاء الالتباس في أذهان البعض من هذه الموافقة الصوتية بين المعنيين اللذين يؤديهما لفظ اللحن في اللغة العربية(1).

ثم يقول في موضع اخروأول ما يتبادر للذهن أنه شعر بلغة لا إعراب فيها فكأنه كلام فيه لحن،وهذا الاشتقاق باطل من وجوه ،لأننا لا نقابل الكلام الفصيح بالكلام الملحون ولم يرد هذا التعبير عند أحد من الكتاب القدماء لا بالمشرق ولا بالمغرب ،والذي أراه أنهم اشتقوا هذا اللفظ من التلحين بمعنى التنغيم لأن الاصل في هذا الشعر الملحون ان ينظم ليتغنى به قبل كل شيئ (2).ويستشهد على ذلك بقولة لابن خلدون حيث يذهب قائلا:.(.ونجد ما يؤيد هذا النظر في قول ابن خلدون في المقدمة في الفصل الخمسين في أشعار العرب وأهل الامصارلهذا العهد بعد أن تكلم عن الشعر المكتوب باللغة العامية فقال: (وربما يلحنون فيه ألحانا بسيطة لا على طريقة الصناعةالموسيقية) (3). ويعلل الفاسي ذلك ومعنى هذا أنهم لا يدخلون أشعارهم في ميازين الموسيقى المعروفة من بسيط وبطايحي ونحوهما،وإنما يجعلون لهاألحانا خاصة) (4). وهناك باحث اخر هو الدكتور عباس الجراري يأتي لكي يرد على طروحات الاستاذ محمد الفاسي وبالتالي يحاول بدوره الإسهام في إيجاد اشتقاق للفظة الملحون حبث يقولونحن نرى على العكس من هذا، أن التسمية اشتقت من اللحن بمعنى الخطأ النحوي)(5) حيث يذهب محللا ومناقشا اراء الفاسي من ثلاث وجهات :

1- إن الشعر الملحون لم يكن ينظم أول الأمر ليتغنى به، وإن اتخاذه للغناء تم في مرحلة ثانية.
2- إننا حقالا نقابل الكلام الفصيح بالكلام الملحون، لأن الفصاحة قد تكون في الملحون وغير الملحون، وقد جانب الأستاذ الفاسي الصواب حين استعمل كلمة فصيح ليقابل بها كلمة ملحون، وما نظنه يجهل أن الذي يقابل الشعر الملحون هو الشعر المعرب وليس الفصيح .
3- فهي استعمال هاتين التسميتين: المعرب والملحون متعارف عليه عند كل الذين تعرضوا للونين من الشعر،فابن سعيد يقول متحدثا عن بعض الشعراءوله شعر ملحون على طريقة العامة) والحلي يتحدث عن الفنون المستحدثة فيقولوهي الفنون التي إعرابها لحن وفصاحتها لكن وقوة لفظها وهن) ثم يقول (ثم تداوله العامة ومن لا أنس له بالقواعد ومن عجز عن الإعراب حتى صاروا ينظمونه ملحونا).ويضيف الجراري: أكثر من هذا أن المغاربة استعملوا الملحون في مقابل المعرب على حد ما نقرأ عند التادلي في فتح الأنوار حيث يقولالملحون يطلق على النظم غير المعرب)(6)،ويذهب باحث مغربي اخر وهو العربي بنتركة قائلاولعل هذا التراث سمي بالملحون لعدم تغير ألحانه والتزامه باللحن الواحد)(7). أما الباحث الجزائري عبد المالك مرتاض فيقرر أن مادة( لحن) في اللغة العربية تدل على ثلاثة معان أساسية:
1-اللحن بمعنى ارتكاب الخطأ أثناء الحديث، واصله الميل عن جانب النحو
أي الطريق؛أي العدول عن الصواب.
2-الفطانة والفهم.
3-ترديد الصوت وتمديده وقطعه وتفخيمه وترقيقه وتلوينه على ضروب نبرية مختلفة،أي التغني به على نحو معلوم، يقاللحن في قراءته تلحينا:
طرب فيها وقرأ بألحان ولحون). ثم تطور المدلول الثالث وأصبح خاصا يطلق على صوت معين يختاره الملحن لقصيدة شعرية يتغنى بها على نحو خاص.( ويتساءل الباحث عبد المالك مرتاض عن ما يمكن استخلاصه من هذا البحث اللغوي ؛أي لماذا سمي الشعر الشعبي ملحونا عندنا، والجواب كما يقولإما أنه سمي بذلك لارتكاب الشعراء الشعبيين أخطاء نحويةأي أنهم ابتعدوا عن الفصيح للغة العربية وأصولها، وإما أنه سمي

بذلك لتغني الشعراء الشعبيين به)(9) ويتساءل كذلكفأي المدلولين أحق
أن يؤول أو يتبع?يقولإنه من العسير الجزم في مثل هذه القضية بصورة قاطعة ، فكلا الامرين جائز ومحتمل،وإذن فقد يكون الملحون قصيدة شعرية ذات لحن خاص بها تغنى في مجالس اللهو والطرب واللذة وتردد في الحفلات والولائم والأعراس، كما قد يكون قصيدة شعرية عامية،نابعة من روح الشعب معبرة عن عقليته بصرف النظر عن كونها تغنى في صوت، او تبقى خرساء بدون تلحين ولا ترديد).(10)
ونحن يمكن أن نطمئن إلى الرأي الأخير والذي يبدو أكثر إصابة واكثر إجابة عن إشكال التسمية هذه..ويبقى النقاش حول هذه القضية مطروحا..

المصادر والمراجع

1- معلمة الملحون.محمد الفاسي.القسم الأول من الجزء الأول.مطبوعات أكاديمية المملكة المغربية.أبريل 1986.ص.100
2 – الأدب الشعبي المغربي- الملحون –محمد الفاسي (مجلة البحث العلمي. السنة 1/1964.ص: 43/44.
3- نفس المرجع.ص:44 ونحن هنا نسجل المصدر الذي أخذ عنه الاستاذ محمد الفاسي هذه المقولة:
- المقدمة.ابن خلدون .بيروت 1961.ص 582
4- الأدب الشعبي المغربي. الملحون.محمد الفاسي ص 44
5- الزجل في المغرب (القصيدة).الدكتور عباس الجراري.مطبعة الأمنية
1969.الرباط. الطبعة الأولى.ص 56
6- نفس المرجع ص 56/57.ونحن نسجل المصادر التي أخذ عنها الجراري وهي كالتالي:
- المغرب في حلى المغرب لابن سعيد.تحقيق الدكتور شوقي ضيف.
طبعة دار المعارف.القاهرة.الجزء الثاني.ص 222.
-العاطل الحالي والمرخص الغالي.صفي الدين الحلي.مكتبة بايزيد
اسطنبول(5542) الورقة 18.
- فتح الأنوار في بيان ما يعين على مدح المختار.ابراهيم التادلي.
خزانة الرباط العامة 3285 د.ص 5
7 –في الفلكلورالمغربي .الأدب الشعبي (الملحون).العربي بنتركة.
(التراث الشعبي) عدد 1/2.السنة 10-1979.ص 158/159


8- في الشعر الشعبي الجزائري.دكتور عبد المالك مرتاض.(التراث الشعبي).العدد 2.السنة 9-1978.ص13 والاستشهاد الذي بين قوسين هو للزمخشري.أساس البلاغة.دار صادر .بيروت 1965.
9- في الشعر الشعبي الجزائري.ص13
10- نفس المرجع.ص14.